نفحات من ذاكرة الزمن الجميل

لكل الذين كانوا أطفالاً عندما كنا نخرج للشارع لنلعب من صبح للمساء في عطلة الربيع وغيرها ولا يعرف أهلنا أين كنا ولا يستطيعون سؤالنا حتى نعود للبيت، للجيل الذي مضت طفولته أيام لم يكن هناك تلفونات جوالة وقطع حلوى بحجم حبة الفول بدل القطع الكبيرة والبقلاوة أيام العيد أتوجه بهذه
الكلمات..هل تذكرون كم تشاجرنا حتى نزف الدم من أنوفنا ولم يفكر أهلنا أن يشتكوا للشرطة وكم مرة شربنا من نفس الكأس دون أن يخشى أحد أن يصاب بمرض مُعدٍ أويتأفف..

 

أتوجه بكلماتي للأجيال
التي ربيت على البساطة، الأجيال التي لم تعرف الشاورما بالدجاج ولم تأكل في طفولتها
فطر الشمبنيون أو المشرومز ، ولم تشرب مياه بقين والفيجة, ولا حتى السن من قارورات
بلاستيكية ، هل تذكرون الكستناء شتاء فوق مدفئة الحطب أو المازوت أو حتى الدوّام ،
والشوندر الأحمر في قطرميز اللفت المكبوس …….كانت حياتنا بسيطة فكم من المرات كنا عندما نريد ملاقاة
صديق نأتيه دون اتصال مسبق نطرق بابه أو حتى نصرخ من رأس الحارة عليه بأصوات عالية
أو صفير مميز لكل شلة….هل
تذكرون ذلك الجار المعقد الذي كان يتوعد بشق الكرة التي نلعب فيها بسكين المطبخ إذا
ما سقطت في داره، ومن منكم لا يذكر، كم من مرة أخترع زحليطته من بعض خشب السحاحير
التالفة عند الخضرجي وبعض من دواليب الزحليطة (الرولمانات أو الرومبيلات ) التي كنا
نجدها خلف محلات مصلحي الدراجات والسيارات ،بدل دراجات الهمر والسبع والتسع حركات و
كمان السكوترات ، وكم من مرة كنا بعد بدء رحلة التزحلق الأولى فقط نتذكر أننا لم
نركب فرامل لتلك الزحليطة لتكون الفرامل نهراً أو سوراً في نهاية الرحلة، آثار
الكدمات والخدوش و العقورة على الركب كانت لا تفارق جسدنا ومع ذلك ها قد كبرنا ولا
نحمل أمراضاً وصحتنا بخير والحمد لله..يا أبناء الجيل الذي يحمل على يده ختم لقاح الجدري ، وغيره من اللقاحات.
هل مازلتم تذكرون الفرحة بيوم
انتهاء العام الدراسي وفرحتنا بعطلة الصيف وكم كان الصيف طويلاً ..الكثيرون ولو لمرة التحقوا
بأندية رياضية، هذا فطبول (كرة قدم ) والآخر كاراتيه وكانت غرفة تبع الطابة تمتلئ
بصور بيليه و زيكو و جويل باتس ، وطاطيش وجورج مختار والأخضر بلّومي ..ومن يلعب
الكارتيه امتلأت غرفته بصور بروسلي و جاكي شان ، لم ينجح منا إلا القليلون في
رياضتهم، لكن جيلنا وصل لأعتاب كأس العالم في المكسيك وكان يصرخ (عالمكسيك يا سوريا
عالمكسيك) كلنا يذكر الخوري والكردغلي والمردكيان وأبو السل والشكوحي والبيرقدار
والمحروس وغيرهم، هؤلاء الرجال لم يكن لديهم حواسب ولا جوالات وطبيب خصوصي ..من سجل دورة موسيقى تعلم
معزوفة( يا نور حبها) لسهولة عزفها و(أهواك) و (ليلة عيد) لنفس
السبب..من منكم لم يبكِ في
نهاية المعسكر ومن منكم لم يرسل رسالة عبر البريد أول مرة في حياته بعد أن تعلق
بأصدقاء جدد من محافظات غير محافظته ومن منكم لا يذكر كيف اشترى الطوابع وسأل من
كان بها خبيراً أين تلصق الطوابع وعلى أي جهة يكتب العنوان، وانتظر بفارغ الصبر أن
يأتيه الجواب أسابيع طويلة وهو يشك في أنه كتب العنوان
خطأ..يا أصدقائي أعتقد أن
عجائب الدنيا ليست سبعاً فحسب ففي هذه الدنيا عجائب موجودة حولنا ولم نسطرها
ونوثقها بين العجائب، هل تذكرون العيد وبهجته و صحن المخلل في ساحة العيد بربع ليرة
والحلاوة بالسميد (البلتا و الأسكا و البليلة و الفول بالصحن مو بكيس و شلمونة ) حسب فصل العيد ، كم مرة نام كل منا وحذاء العيد الجديد تحت إبطه أو وسادته وتلك
الرائحة المميزة للجلد الصناعي للحذاء التي عششت في
الذاكرة….
كم من مرة سمعنا من
بعض رفاقنا كيف جاءهم بابا نويل في الليل وكيف أخبرهم أنه يحبهم وقد جلب هداياه
فاستيقظوا فوراً ليتجهوا لشجرة الميلاد وفتح الهدية التي كانوا قد حجزوها عنده….. أما اليوم فبابا نويل يأتي للجميع ….كان وقتها للهواء رائحة مختلفة وللطقوس رونقها، حلة السليقة هل
تذكرونها، هل تذكرون ذلك العجوز الطيب في حارتنا الذي كان يقف والمحراك بيده وقد
تجمهر الأطفال والكبار حول الحلة وهو مازال يحرك النار ويقذف ببعض قطع الخشب قائلاً
إن القمح لم ينضج ويجب الانتظار وكيف بعد أن ينضج القمح كان يسكب لنا قمحاً ويرش
لنا السكر لنلتهم القمح ونشرب الماء المتبقي في الصحن كأننا نشرب شهد العسل، من
منكم لم يحمل سطل أو طنجرة مملوءة بالقمح المسلوق لينقلها للسطح لتنشر على السطح
حتى تجفف في الأيام التالية بالشمس، ومن ثم تؤخذ للمطحنة لتعود لبيت المونة برغل
خشن وناعم وفريكة وطحين و فريفورلم يكن وقتها برغل بأكياس صغيرة ولم يكن وقتها مكدوس باذنجان معلب ولا
مربى البندورة معلب ولا حتى لحوم مجلدة، كان الكيس يدعى ( عدل قلم أحمر) والمكدوس
بقطرميزات زجاجية تتسع لعشرين كيلو..كانت الحياة أبسط وأجمل، كان الحب أكثر وكان الحقد أقل، لقد كان الطقس
أجمل والمطر أنقى، لقد كان الثلج أبيض وليس رماديا،ً حتى ظهور قوس قزح كان
عيداً..من منكم لم يصنع طائرة
ورقية من ورق الأشغال بعد أن غلت له أمه النشاء مع قليل من الطحين ليستخدمه كلاصق
للورق، ليلعب بطائرته أيام الربيع بدل الألعاب الطائرة اليوم والتي توجه بالريمونت
كونترولمن منكم لم يصعد
أهله للسطح و في حرب تشرين ليرى كيف تتساقط طائرات إسرائيل بصواريخ السام ومن منكم
لا يذكرهم كيف كان الناس يتراكضون بأيديهم العارية خلف من يصرخ أنه رأى مظلياً
إسرائيليا في تلك الجهة يهبط بالمظلة ومن منكم لم يضيع فردة الحذاء أثناء الجري بكل
وطنية وبساطة ودون تفكير وهو يحلم أنه سيقبض على الأسير فيصبح
بطلاً..يا أصدقائي نحن جيل
تربى على الحب وعانى من الفقر في الوقت الذي كانت بيوت المونة – رغم الفقر- عامرة
بالخيرات وعندما تدخل البيوت يحلفون عليك ألف مرة لتأكل ومثلها لتشرب
الشاي..نحن جيل لم يعرف
الكمبيوتر ولا الإنترنيت، واليوم نطبع كتاباتنا بأصبع
واحد!!!نحن جيل لم يلعب في
طفولته العاب الكترونية ولم يكن لدينا بلاي ستيشن و على الأكثر كانت الفيشة حلمنانحن جيل كان يلعب دحاحل( كلول أو ماظات ) في الحارة ، و في المساء يخاف تفتيش الأب عند عودته في أول الليل و
المعلمة أو الأستاذ عند دخوله الصف ، فيهرع إلى علاج القشب بالفازلين أو بنصف
ليمونة أو بوسيلة أخرى لن أذكرها ….نحن جيل كان يضع قطعة الراحة الممسكة على الطاولة وكنا نراهن من الأسرع
بالعد للثلاثة ومن كانت يده أسرع كان يلطم قطعة الراحة بيده فيأخذها وبسرعة البرق
كان يلتهمها ضاحكاً ولم يكن من يلاعبه ليعتبره بخيلاً أو جائعاً بل كان يقول يجب أن
أكون أسرع في المرة القادمة….نحن جيل كان يلعب في كل شيء، ورغم كل ذلك نشأ جيلنا وأنتج علماء وأبطال
رياضة ،و أطباء و محامين و مهندسين و فلاحين وعمال ومبدعين في كل
المجالات..في أيامنا كانت
الأراضي أوسع ولازلت أذكر ذلك الطيار العاشق والذي هبط بمروحيته في حقل خطيبته في
إحدى قرى بانياس الساحل ليلقي التحية ويكمل جولته التدريبية وكم من البشر تجمعوا
متراكضين نحو الحقل ليروا الطائرة، نعم لقد فعلها إبراهيم فجعل من خطيبته ملكة
تحسدها كل نساء القرية لا بل حتى المدينة، كان هبوطه هدية لها في عيد ميلادها، كم
كان مدربه في ذاك الوقت رومانسياً ليسمح له بفعل ذلك..صورة إبراهيم في عام 1982 كانت على كل الصفحات الأولى
للجرائد لقد كان بطلاً حقيقياً في سماء لبنان أثناء الاجتياح الإسرائيلي ..يا أخوتي زمننا فيه من
العجائب أكثر من سبعة بل أكثر من مئة، حولنا من العجائب ما لا نلاحظه، إبراهيم
بهبوطه في ذلك الزمن أعجوبة، صحن الفول المدمس مع البصل أيضاً أعجوبة، الجبن
البلدي، فرحة استلام الرسالة بعد طول انتظار، فرحة الأعياد، المطر والوحل الذي كان
يلتصق على أحذيتنا الجديدة ،و الجزمات اللي كنا نتدحى فيها أنها لا تخترقها المياه
كل ما كان لنا شيء يومي وعادي أصبح اليوم للبعض أعجوبة فلا تستغربوا هذه العجلة
التي تطحن اليوم الضمير بدل الطحين..لا تستغربوا أن الإيميل حل محل الرسالة بطوابع ، والجوال بدل الصفارة
المميزة لكل شلة بواسطة الأصابع واللسان وشيء من اللعاب والهواء الخارج من الرئتين ..أو بفضل سن مكسور يساعد على الصفيرجيلنا لم يكن يعرف(الكوردون بلو) وكان يفضل أفخاد الدجاج مع الرز
المفلفل أو بعصّفر ومناقيش الزعتر بدل(البيتزا) وكانت البيضة مع رغيف خبز ساخن بدل) اللازانيا) جيلنا كان يفضل كل ما هو طبيعي..يا أبناء تلك الأيام الجميلة، يا من كبرتم وأصبح المال
والقرار والسلطة بيدكم وكلٌ في مكان تواجده، هل مازلتم
تذكرون؟أعتقد أنكم تذكرون،
إذاً هل تعملون اليوم بأصلكم ؟؟، وهل تقدمون لمن جاء بعدنا روح تلك النفحات من
الزمن الجميل..
كم أتمنى
ذلك..في الختام لكل جيل طابعه
وذاكرته ولكل شخص أشياء وتصرفات كانت تعجبه، أما أنا فقد بكت روحي بعد سهرة ذكريات
مع صديقي الذي جمعني فيه قاسم مشترك وهو تلك الذاكرة لتاريخ لن يمحى أبداً من
ذاكرتنا، شكراً لك صديقي وهذا ندائي لنبقى كما كنا ولنبقى كما نشأنا فعشقنا كان
أجمل وحياتنا كانت أبسط وأفضل ..كل العذر للذين لم تتشابه طفولتهم بطفولتي وللأجيال التي تقضي طفولتها في عصرالكمبيوتر والجوال فلكل جيل ذاكرته المميزة.قد لاتكون طفولتي مثالية .. ولا ادعي انها الأفضل …
لكني على الأقل كنت سعيدا بها .. ولازلت ابتسم كلما تذكرتها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: